الميكروبلاستيك والكبد الدهني تأثير البلاستيك على الكبد
حجم الخط

تثير العلاقة بين البلاستيك ومرض الكبد الدهني اهتمام الباحثين، مع تزايد الدراسات التي تبحث في تأثير الميكروبلاستيك والمواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع المنتجات البلاستيكية على صحة الإنسان. وتشير نتائج أولية إلى وجود ارتباطات محتملة بين بعض هذه الملوثات واضطرابات استقلاب الدهون والتغيرات المرتبطة بصحة الكبد.

لكن هل يعني ذلك أن التعرض للبلاستيك يسبب الكبد الدهني؟ حتى الآن، لا تتوافر أدلة بشرية كافية لإثبات هذه العلاقة بصورة قاطعة. وتكشف الدراسات المنشورة عن فروق مهمة بين تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية المرتبطة بها، وهو ما يساعد على فهم المخاطر المحتملة دون المبالغة في تفسير النتائج.

ما العلاقة بين البلاستيك ومرض الكبد الدهني؟

مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي، المعروف اختصارًا باسم MASLD، هو حالة تتراكم فيها الدهون داخل الكبد، وترتبط غالبًا بعوامل مثل السمنة ومقاومة الإنسولين والسكري من النوع الثاني واضطراب الدهون في الدم.

وفي المقابل، تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض الملوثات البيئية قد تؤثر في العمليات التي تنظم استقلاب الدهون والالتهاب داخل الجسم. ومن بين هذه الملوثات الميكروبلاستيك والنانوبلاستيك، إلى جانب بعض المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع البلاستيك.

وتكمن أهمية هذه الأبحاث في أن الكبد يؤدي دورًا رئيسيًا في معالجة المواد التي تدخل الجسم وتنظيم الدهون. ومع ذلك، فإن اكتشاف جزيئات بلاستيكية في عينات بشرية أو رصد تغيرات في خلايا الكبد لا يكفي وحده لإثبات أن التعرض لها يؤدي إلى الإصابة بالمرض.

الفرق بين الميكروبلاستيك والنانوبلاستيك

ما الميكروبلاستيك والنانوبلاستيك؟

الميكروبلاستيك هو جزيئات بلاستيكية يقل حجمها عن 5 مليمترات، وقد تنتج عن تحلل المنتجات البلاستيكية الأكبر أو تُصنّع بأحجام صغيرة. أما النانوبلاستيك، فيشير إلى جزيئات أصغر بكثير، مع اختلاف الحدود المستخدمة لتعريفه بين الدراسات العلمية.

ويمكن أن تصل هذه الجزيئات إلى البيئة والغذاء والماء والغبار، كما رصدت دراسات وجودها في عينات بيولوجية بشرية. لكن تحديد مقدار التعرض الذي يتلقاه الإنسان، ومدى وصول الجزيئات إلى الأنسجة المختلفة، وتأثيرها الصحي طويل الأمد، لا يزال يمثل تحديًا علميًا.

ومن المهم أيضًا التمييز بين الجزيئات البلاستيكية نفسها والمضافات الكيميائية الموجودة في بعض المنتجات؛ إذ تختلف آليات التأثير المحتملة والأدلة المتاحة لكل مجموعة.

ماذا وجدت الدراسات البشرية عن البلاستيك والكبد الدهني؟

من الدراسات المباشرة في هذا المجال بحث استكشافي نُشر عام 2024 في دورية Science of the Total Environment. ودرس الباحثون العلاقة بين الميكروبلاستيك الموجود في البراز وبعض المؤشرات المرتبطة بمرض الكبد الدهني والتهاب الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي.

وشملت الدراسة 23 مشاركًا موزعين على مجموعات تضم متبرعين بكبد سليم وأشخاصًا يعانون السمنة مع كبد طبيعي، ومرضى بالتهاب الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي.

لم يجد الباحثون فروقًا ذات دلالة إحصائية في إجمالي الميكروبلاستيك الموجود في البراز بين المجموعات عند القياس الأولي. ومع ذلك، رصدوا ارتباطات بين بعض مؤشرات الميكروبلاستيك وخلايا مناعية وتعبير جينات مرتبطة بالالتهاب وموت الخلايا.

كما أعاد الباحثون تقييم 11 مريضًا بعد جراحة السمنة، ووجدوا أن المرضى الأربعة الذين استمر لديهم المرض كانت لديهم شظايا ميكروبلاستيكية أعلى من المرضى السبعة الذين تحسنت لديهم أنسجة الكبد.

وتشير هذه النتائج إلى وجود علاقة محتملة تستحق المزيد من البحث، لكنها لا تثبت أن الميكروبلاستيك تسبب في استمرار المرض؛ فالعينة صغيرة، والدراسة رصدية، وقد تؤثر عوامل أخرى في النتائج.

للاطلاع على الدراسة: بحث الميكروبلاستيك ومرض الكبد الدهني لدى البشر – PubMed.

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والكبد

كيف يمكن أن تؤثر جزيئات البلاستيك في الكبد؟

تقدم الدراسات المختبرية والتجارب على نماذج الكبد عدة تفسيرات بيولوجية محتملة لتأثير الميكروبلاستيك، لكن هذه الآليات لا تعني بالضرورة حدوث الضرر نفسه لدى البشر عند مستويات التعرض اليومية.

1. الإجهاد التأكسدي والالتهاب

تشير تجارب على خلايا كبدية ونماذج مخبرية إلى أن التعرض لبعض الجزيئات البلاستيكية قد يزيد الإجهاد التأكسدي، وهو اختلال بين الجزيئات التفاعلية وقدرة الخلايا على مقاومتها. وقد يرتبط ذلك بتنشيط مسارات التهابية وتضرر الخلايا في ظروف تجريبية معينة.

2. اضطراب استقلاب الدهون

أظهرت بعض التجارب تغيرات في العمليات المسؤولة عن معالجة الدهون وتخزينها داخل الخلايا الكبدية. ويثير ذلك احتمال مساهمة بعض أنواع الميكروبلاستيك في اضطراب التوازن الدهني، لكن إثبات أن هذا التأثير يؤدي إلى مرض الكبد الدهني لدى الإنسان يتطلب دراسات سريرية أقوى.

3. التأثير في الميتوكوندريا

الميتوكوندريا هي تراكيب داخل الخلايا تساعد على إنتاج الطاقة. وقد رصدت تجارب مخبرية اضطرابات في وظائفها بعد التعرض لبعض الجزيئات البلاستيكية، وهو ما قد يؤثر في قدرة الخلايا على أداء وظائفها بصورة طبيعية.

ولمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى المراجعة المنهجية عن الميكروبلاستيك وصحة الكبد المنشورة في Frontiers in Pharmacology.

هل المواد الكيميائية الموجودة في البلاستيك أكثر ارتباطًا بالكبد الدهني؟

لا يمكن الجزم بأن المواد الكيميائية أكثر خطورة من الجزيئات البلاستيكية نفسها في جميع الظروف؛ فلكل مادة خصائصها ومستوى التعرض الخاص بها. ومع ذلك، توجد أبحاث بشرية عن بعض المركبات المستخدمة في تصنيع المنتجات البلاستيكية تستحق الاهتمام.

الفثالات

الفثالات مجموعة من المركبات يُستخدم بعضها لجعل البلاستيك أكثر مرونة. وخلصت مراجعة منهجية نُشرت عام 2025 إلى وجود ارتباطات محتملة بين التعرض لبعض الفثالات ومرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي.

وشملت المراجعة عشر دراسات بشرية مقطعية، وظهرت ارتباطات متكررة لبعض نواتج استقلاب مركب DEHP. لكن طبيعة الدراسات لا تسمح بإثبات أن التعرض لهذه المواد سبق المرض أو تسبب فيه.

المصدر: المراجعة المنهجية عن الفثالات ومرض MASLD – PubMed.

البيسفينولات

تُستخدم بعض مركبات البيسفينول، ومنها BPA، في تصنيع أنواع معينة من البلاستيك والطلاءات. وتبحث الدراسات في علاقتها باضطرابات التمثيل الغذائي وصحة الكبد، لكن النتائج تختلف بحسب المركب وطريقة قياس التعرض والسكان الذين شملتهم الدراسة.

ولا يصح اعتبار جميع أنواع البلاستيك متشابهة في تركيبها أو مخاطرها؛ إذ تختلف المواد المستخدمة في تصنيعها واستخداماتها وظروف تعرض الإنسان لها.

ما عوامل الخطر المعروفة لمرض الكبد الدهني؟

على الرغم من الاهتمام المتزايد بالملوثات البيئية، تظل هناك عوامل صحية معروفة ترتبط بمرض الكبد الدهني، أبرزها:

  • زيادة الوزن والسمنة، خصوصًا تراكم الدهون في منطقة البطن.
  • مقاومة الإنسولين والسكري من النوع الثاني.
  • ارتفاع الدهون الثلاثية واضطراب مستويات الكوليسترول.
  • بعض العوامل الوراثية وأنماط الحياة والعوامل الصحية المصاحبة.

وتساعد معرفة هذه العوامل على تجنب إلقاء المسؤولية عن المرض على سبب واحد لم تثبت علاقته السببية به. كما أن وجود عامل بيئي محتمل لا ينفي أهمية العوامل الأيضية المعروفة.

كيف تقلل التعرض للبلاستيك وتحافظ على صحة الكبد؟

لا توجد حاليًا أدلة كافية على أن برنامجًا لإزالة الميكروبلاستيك من الجسم يمنع الكبد الدهني أو يعالجه. ومع ذلك، يمكن اتباع احتياطات عامة لتقليل التعرض غير الضروري لبعض المواد البلاستيكية والمضافات الكيميائية.

  • تجنب تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية ما لم تكن مخصصة لهذا الاستخدام، واتبع تعليمات الشركة المصنعة.
  • استخدم أوعية مناسبة للطعام الساخن، خاصة عند التسخين في الميكروويف.
  • التزم بإرشادات سلامة الغذاء ومياه الشرب في منطقتك.
  • حافظ على وزن صحي، ومارس النشاط البدني بانتظام، واهتم بضبط سكر الدم والدهون.
  • استشر الطبيب عند وجود عوامل خطر للكبد الدهني أو عند ظهور نتائج غير طبيعية في تحاليل الكبد.

ولا تعني هذه الاحتياطات أن جميع المنتجات البلاستيكية تسبب المرض، كما أنها لا تضمن منع التعرض للميكروبلاستيك بصورة كاملة.

أسئلة شائعة عن البلاستيك ومرض الكبد الدهني

هل يسبب الميكروبلاستيك الكبد الدهني؟

لم تثبت الدراسات البشرية حتى الآن أن الميكروبلاستيك يسبب الكبد الدهني بصورة مباشرة. وتوجد نتائج استكشافية وارتباطات محتملة، إلى جانب تجارب مخبرية تشير إلى آليات بيولوجية تستحق مزيدًا من البحث.

هل شرب الماء من العبوات البلاستيكية يسبب الكبد الدهني؟

لا توجد أدلة سريرية كافية تثبت أن شرب الماء من العبوات البلاستيكية يسبب الكبد الدهني. وقد تختلف مستويات التعرض للجزيئات والمضافات الكيميائية بحسب نوع العبوة وظروف استخدامها، لكن لا يمكن استنتاج الإصابة بالمرض من استخدام هذه العبوات وحده.

هل يمكن التخلص من الميكروبلاستيك الموجود في الكبد؟

لا توجد حاليًا طريقة علاجية معتمدة ثبت أنها تزيل الميكروبلاستيك من الكبد أو تمنع المرض الناتج عنه. لذلك، لا يُنصح باستخدام منتجات أو مكملات تدّعي تنظيف الجسم من البلاستيك دون أدلة سريرية موثوقة.

ما الفرق بين الميكروبلاستيك والفثالات؟

الميكروبلاستيك جزيئات مادية صغيرة من البلاستيك، بينما الفثالات مركبات كيميائية يُستخدم بعضها مضافاتٍ لتغيير خصائص البلاستيك. ويختلف نوع الأدلة والآليات المحتملة للتأثير الصحي بين المجموعتين.

تقدم الأبحاث مؤشرات على وجود علاقة محتملة بين بعض الملوثات البلاستيكية وصحة الكبد، بما في ذلك اضطراب استقلاب الدهون والالتهاب. إلا أن الأدلة البشرية لا تزال محدودة، ولا تثبت أن الميكروبلاستيك يسبب مرض الكبد الدهني بصورة مباشرة.

مقالات ذات صلة
الإعدادات
المود
حجم الخط